الرئيسية » قلم إقتصادي » كتب د. لؤي يوسف مستشار جمهورية أنغوشيا “أنت أكيد تمزح؟”.

كتب د. لؤي يوسف مستشار جمهورية أنغوشيا “أنت أكيد تمزح؟”.

مما يجري في سورية من غرائب وعجائب، يسبب حقيقة صادمة ومفاجئة لمن لا يعرفها.. ففي منتدى رجال الأعمال الروسي السوري الذي عقد  في دمشق أوفد أحد كبار رجال الأعمال الروس، والذي له استثمارات كبيرة في مجال العقارات، ممثلا له للاطلاع على سوق العقارات في سورية.. وكم كان مندهشاً، وحتى مصدوماً، عندما علم أنه في منطقة “كفر سوسة” على سبيل المثال يصل سعر بعض الشقق السكنية إلى المليون دولار وما فوق.

سألني عن متوسط دخل المواطن السوري الشهري بالدولار فأجبته: (65 دولاراً أمريكياً) تقريباً، هنا لم يتمالك نفسه وقال لي: “أنت أكيد تمزح؟”. قلت له: لا، أنا جاد بكلامي. فازدادت دهشته وصدمته وقال: “لا يمكن لعاقل أن يصدق أن سعر شقة في عاصمة بلد أنهكته الحرب وأضعفت من اقتصاده وبمنطقة “كفر سوسة” التي لا يعرفها سوى بعض السوريين يصل إلى مليون دولار وأكثر في حين أن متوسط دخل المواطن السوري لا يتجاوز الـ 65 دولاراً.. في الوقت الذي تستطيع بمبلغ وسطي يتراوح بين (150 إلى 400 ألف دولار) شراء شقة فاخرة على شواطئ أسبانيا أو مدينة نيس الفرنسية مثلاً، ومتوسط الدخل في هذين البلدين يصل إلى (5000 دولار) شهريا؟! وتابع مستهزئاً: “يكفي فقط أن تقارن بين الإطلالة الرائعة والمثالية للهدوء على البحر في شقق تلك المدينتين والإطلالة من شقة كفر سوسة..!

بالتأكيد ثمة شيء غير طبيعي في الأمر، حتى الشقق النظامية الرخيصة التي يصل سعرها وسطياً إلى (150 ألف دولار) لا يستطيع المواطن البسيط ذو الدخل المحدود أن يشتريها، ولا يستطيع أي موظف أن يؤمن مسكناً لائقاً به إذا اعتمد على راتبه، إلا إذا سرق وارتشى وأصبح فاسداً..

لا يختلف عاقلان على أن أسعار العقارات في سورية مخالفة للعرف المتعامل به في كافة بلدان العالم، ووصلت إلى مستويات مضحكة وسخيفة للواقع الاقتصادي السوري، ومصطنعة من قبل مافيات العقارات، ولا تتناسب إطلاقاً مع دخل الأغلبية العظمى من السوريين، وبالتالي يجب القضاء على هذه الظاهرة الشاذة بأسرع ما يمكن عبر تعديل قانون البناء بما يتناسب مع ضرورات المرحلة الراهنة، ودعم وتشجيع الاستثمارات في مجال بناء الشقق السكنية، وإعفاء مواد البناء من الرسوم الجمركية، ومن المهم جدا احداث إدارة حكومية تقيم وتضبط أسعار الشقق بناء على سعر التكلفة والمرابح المعقولة التي تحدد نسبتها الدولة، وبالتالي ينتهي احتكار ضبط الأسعار من قبل متعهدي العقارات والتي يحددونها كما يروق لهم.

إن إعادة البناء في سورية آتية لا محالة، وبناء المناطق المدمرة وإعادة تخطيط المناطق العشوائية وبناؤها من جديد سيسبب في هبوط أسعار العقارات بشكل كبير وينهي احتكار مافياتها التي تعمل بلا رادع من قانون أو أخلاق أو ضمير.

فإذا كانت هذه الظاهرة مسكوتاً عنها قبل الحرب فإنها اليوم جريمة بكل المعايير.. خاصة مع توالي سنوات الحرب في سوريا، والتي أدت بالعائلات السورية إلى تهديم بيوتها وخراب مناطقها، ولا يوجد لديها اليوم مسكن بديل، والدولة الآن مطالبة بسن قانون جديد يتعلق بالاحتكار العقاري والتلاعب بها تصل عقوبته إلى الحبس لمدة طويلة مع مصادرة العقارات المحتكرة..
إن الشعب الذي صمد وضحى يستحق مساكن تليق بإنسانيته وتناسب حالته.

المصدر فيس بوك

Loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.