الرئيسية » اقتصاديات » الضرائب العادلة جزء من الدستور العادل: كيف يضمن الدستور نظاماً ضريبياً عادلاً؟

الضرائب العادلة جزء من الدستور العادل: كيف يضمن الدستور نظاماً ضريبياً عادلاً؟

على الرغم من أن الدستور السوري المعدل عام 2012 نصّ على ضرورة إقامة نظام ضريبي على أسس عادلة، تكون فيه الضرائب تصاعدية، بشكل تتحقق فيه مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية، إلا أن طريق الضرائب العادلة على ما يبدو ما زال غير سالك.

ولذلك لا مساواة يمكن تطبيقها اليوم سوى القائمة على فكرة مفادها «ظلم بالسوية، عدل بالرعية» فإن كان العدل غير متاح، فلنلجأ إلى المساواة بالظلم.

الضرائب النوعية

رئيس قسم المحاسبة في جامعة دمشق إبراهيم العدي قال في حديثه لـ «الأيام» إنه «يجب العمل على تعديل النظام الضريبي بما يحقق العدالة التي ينص عليها الدستور».

ولفت العدي أن «النظام الضريبي الحالي معمول به منذ 70 عاما تقريبا أي منذ الـ 1949 ولم يتم تعديله حتى اليوم، علما أنه لم يعد موجودا سوى في دولتين هما ليبيريا وسورية، فحتى دول العالم الثالث والنامي تخلصت من هذا التشريع الضريبي».

بدوره أكد الأستاذ في كلية الاقتصاد في جامعة طرطوس إبراهيم الضابط أن «النظام الضريبي الحالي الذي يقوم على نظام الضرائب النوعية، هو من أكثر الأنظمة الضريبية تخلفا، وقد عمل به عدد من دول العالم الثالث في السابق، لافتا إلى وجود عدد كبير من دول العالم النامي اتجهت إلى تطبيق النظام الضريبي الموحّد، والذي يقوم على فرض نوعين من الضرائب فقط، واحدة على الدخل وأخرى على الاستهلاك أو الإنفاق».

نص القانون

أوضح الدكتور ابراهيم العدي أن هذا النظام ينصّ على أنه «لكل نوع من الدخل نوع محدد من الضرائب، وبالتالي فإنه لا يتناول جميع عناصر الدخل دفعة واحدة، مما ينعكس سلبا ويؤدي إلى نقص الحصيلة الضريبية الفعلية».

وأضاف: «حتى اللجوء إلى ضرائب تصاعدية مرتفعة خلال العقود الماضية لم يحقق إلا نوعا من العدالة الظاهرية والخطابية والإعلامية في توزيع الأعباء الضريبية».

وهنا رأى الأستاذ الجامعي الضابط أن «عشرات الضرائب النوعية التي يقوم عليها النظام الضريبي لدينا، لا تحقق أي نوع من العدالة وهي أقل حصيلة بالنسبة للخزينة لأنها لا تنظر إلى المكلف كوحدة واحدة».

عكس الإصلاح

رأى العدي أن «ما يسمى بالإصلاح الضريبي يسير حاليا بعكس الاتجاه الصحيح، والذي هو التوحيد الضريبي الذي يناقض التفتت الحاصل، والذي من المفترض أن يتوجه نحو ضريبة عامة موحدة على الدخل، تؤدي إلى تجميع مزيد من الدخول بوعاء واحد».

وضرب العدي مثلا على التفتت الضريبي المطبق حاليا في ظل نظام الضرائب النوعية «بالطبيب الذي يمارس عمله كأستاذ في كلية الطب ولديه عيادة خاصة، ويقوم بإجراء عمليات في عدة مشاف خاصة، ولديه عقارات مؤجرة للغير، إضافة لأموال في عدة مصارف، ويتاجر بالعقارات، فإن كل نشاط من النشاطات السابقة، يخضع لضريبة نوعية مختلفة، وبيان ضريبي خاص، وبالتالي عدم القدرة على إخضاع دخل الطبيب للتصاعد الضريبي، والبعد عن العدالة، وتفتيت الدخل إلى دخول، يؤدي إلى تفتيت الضريبة إلى ضرائب صغيرة وذات حصيلة متدنية».

حد أدنى معفى

وجّه عدد من الخبراء الاقتصاديين عددا من الانتقادات لعدم وجود حد أدنى معفى من الضرائب، فبموجب المادة 69 المعدلة من القانون رقم 24 لعام 2003، يتم التعامل مع جميع العمال السوريين كطبقة واحدة، من المفترض أن تحيا ظروفا اجتماعية متشابهة، وبالتالي دخلا متساويا، وهو أمر غير واقعي.

وفي سياق متصل أكد الدكتور العدي على ضرورة إيجاد حد أدنى معفى وثابت لكل العاملين، يترافق مع حد أقصى متحرك لكل عامل على حدة، أي تشخيص الضريبة وفقا لظروف المكلف الاجتماعية والصحية وحتى الجغرافية.

تاريخيا

منذ أكثر من نصف قرن، ومن خلال صدور القانون رقم 130 بتاريخ 25/7/1961 والذي يتضمن ضريبة الإيراد العام في أيام الوحدة مع مصر، كان قد صدر قرار سوري يقضي بإلغاء نظام الضرائب النوعي (الحالي)، وهو ما يعني أن سورية كانت مهيأة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا لإلغائه، خاصة وأنه وصف آنذاك بأنه «لعبة متاهات».

كما وصل معدل الضريبة إلى حوالي 93% من صافي الربح، خلال الثمانينات وحتى مطلع التسعينات من القرن الماضي، في ظل ما كان يطلق عليه بالتوجه الاشتراكي، مما جعل (التاجر) المكلف السوري من أكثر المتهربين من الضريبة في العالم، ولهذه الأسباب رأى خبراء أن الفشل المتلاحق في عدم كبح جماح التهرب الضريبي كان مبررا.

التشخيص الضريبي

لفت الأستاذ إبراهيم الضابط إلى أن «نظام الضريبة النوعي يفتقد إلى مبدأ التشخيص الضريبي، وهو يبتعد عن المكلف وظروفه وأوضاعه بشكل لا تتناسب فيه المبالغ الضريبية مع المقدرة التكليفية، والتي هي معيار العدالة».

وتساءل إذا كان المواطنون اليوم يدفعون مبالغ متناسبة مع دخلهم، خاصة وأن الضريبة تفرض على صافي الدخل، والذي هو المبلغ الذي يتقاضاه المكلف مطروحا منه التكاليف، ليبقى بحالة جيدة ومستمرة على العطاء.

مؤكدا أن الدستور ينص على ضرورة وجود العدالة الضريبية، إلا أن النظام الضريبي لدينا لا يطبق هذه العدالة، خاصة وأن المستوردين والتجار لا يصرحون عن كامل دخلهم.

ثقة غائبة

تحدث خبراء في المالية عن عدم وجود ثقة بين المكلف والإدارة الضريبية، متسائلين عن السبب الرئيسي الذي أدى إلى إضعاف هذه الثقة، مرجحين أن تكون جميع الأسباب مرتبطة بمعدلات الفساد المرتفعة والتي يجب العمل على تخفيضها.

وعلى ما يبدو لن ينتج عن التفكير الذي يهدف إلى جباية الأموال واستجلاب الخراج، سوى المزيد من الدمار، الذي لن يضيف إلى الخراب الموجود سوى آخر.

ولن يتحقق الإعمار سوى بالتنمية الفعلية، فمن يطلب الأموال من غير بناء وإعمار، سيثقل كاهل المواطن بالأعباء وكاهل الحكومة بالتهرّب.

لجين سليمان

Loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.