الرئيسية » اقتصاد الشارع » هل يستمر نهج السوق الاجتماعي أم تُحدد هوية جديدة؟

هل يستمر نهج السوق الاجتماعي أم تُحدد هوية جديدة؟

سنوات خلت وما زال الاقتصاد السوري يبحث عن هويته الضائعة، ما بين اشتراكية ورأسمالية، أو تلك التي تندرج ضمن اقتصاد السوق الاجتماعي، فهو أشبه بالماء بلا لون أو طعم أو رائحة، ورغم أن المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث أقرَّ في عام 2005 هوية الاقتصاد السوري بأنه اقتصاد سوق اجتماعي، إلا أن خبراء الاقتصاد لا يرون بأن ما طبق بعدها له علاقة بالهوية الاجتماعية، بل أقرب إلى اقتصاد خليط فوضوي، وما زاد الأمر غرابة هو أن دستور سورية عام 2012، لم يحدد هوية واضحة للاقتصاد ضمن مبادئه الاقتصادية، ولذا فإن الأنظار كلها تتجه نحو الدستور المرتقب بعد أن بدأت تتشكل لجانه، في وقت تزداد فيه المطالب بتحديد هوية أو شكل واضح للاقتصاد ضمن نص صريح، والأهم هو التطبيق العملي بما يناسب الحالة السورية ويدعم الطبقات الاجتماعية الهشة في المجتمع السوري، ويضمن كرامة الفقراء ويؤمن فرص عمل ويعيد للطبقة الوسطى ازدهارها.

هوية الاقتصاد قبل الأزمة

يعتقد د. منذر خدام (أستاذ الاقتصاد في جامعة تشرين) خلال حديث مع «الأيام» أنه من حيث المبدأ لا يوجد اقتصاد بلا هوية، وإن هوية الاقتصاد السوري قبل الأزمة كانت تحدده طبيعة البرجوازية البيروقراطية المتحالفة مع البرجوازية الطفيلية، وفي نهب فائض القيمة المنتجة في البلد وتهريبها إلى الخارج.

ويقول د. خدام «عندما كنا نشتغل على مشروع آفاق مسارات التنمية في سورية حتى عام 2000، قدمتُ بحثاً بعنوان المناخ الاستثماري في سورية، وبينت بالأرقام أن الاقتصاد السوري يخسر سنوياً أكثر من خمسمئة مليار ل.س، نتيجة لفساد الجهاز الإداري والقطاع الحكومي، وقلت في حينه للسيد عبد الله الدردري بضبط الهدر والنهب في القطاع الحكومي تستطيع تمويل الخطة الخمسية العاشرة»، حيث كان الرهان أثناء إعداد الخطة الخمسية العاشرة أن يتحقق في نهايتها نمواً يصل إلى 7%، لكن الذي تحقق فعلاً هو فقط نمو 3%، وإذا حذفت النمو السكاني منه يصير النمو أقل من 1%. وللعلم تم رصد 300 مليار ل.س من أصل 1800 مليار، لتنمية المناطق الشرقية من البلد لكنها نهبُت بالكامل ولم يتم إنجاز أي مشروع من المشاريع التي كانت مقررة.

إن القول باقتصاد السوق الاجتماعي ما هي إلا كذبة كبرى، كما يبين د.خدام، فاقتصادنا كما تبين كان اقتصادا يشوبه فساد، والسؤال هل يمكن  تغيير طابع الاقتصاد في ظل استمرار الأوضاع القائمة حتى ولو نصت  على غير ذلك في الدستور؟ الجواب مستحيل. فالوضع الحالي مولد رئيس للفساد.

اقتصاد متلون الاتجاهات

يصف العميد السابق لكلية الأعمال والإدارة بجامعة القلمون الخاصة، وعضو الهيئة التدريسية حالياً د. نهاد حيدر الاقتصاد السوري في لقاء سابق، بأنه «اقتصاد متلون الاتجاهات»، أكثر منه اقتصاد «متعدد الاتجاهات»، حيث أن التلون هو هوية سريعة التبدل، أما التعدد فهو يحتاج إلى وقت كي يحدث، ويعتقد د. حيدر أن الاقتصاد السوري قد مر بمرحلة ثبات في النهج حتى العام ،2000 ومن بعدها بدأ يتلون في خططه، وبدأت تتنازع فيه الاتجاهات، وتحديداً خلال السنوات الـ 10 التي تلت عام 2000، وذلك على الرغم من أن النهج المعلن فيه كان نهج اقتصاد السوق الاجتماعي.

هوية الاقتصاد في مرحلة إعادة الإعمار

في مقالته بعنوان (الهوية الاقتصادية وإعادة الإعمار في سورية) يقول د.مهيب صالحة (أستاذ الاقتصاد في كلية إدارة الأعمال في الجامعة العربية الدولية- سوريا) «إن السؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو: أية هوية للاقتصاد السوري يمكن أن توفر له بيئة جديدة تمنحه محفزات تطورية في مرحلة إعادة الإعمار وما بعدها؟ وما الأسس والمعايير التي ستقوم عليها هذه الهوية؟ وما الاستراتيجية التي يجب على الدولة انتهاجها لتحقيقها؟ ذلك بالتركيز على القضايا الأساسية ذات العلاقة: حجم الإنتاج القومي، وتنوع القاعدة الاقتصادية وهويتها، بالإضافة إلى حجم القطاع الخاص والانفتاح على الأسواق العالمية».

ويعرج د.صالحة على الهوية الاقتصادية في مقالته بالقول «لقد انتهجت الدولة في السابق نهجاً يُعَدُّ مزيجاً من الهويات الرخوة، من التخطيط المركزي الأوامري، وتداخل العام بالخاص بالمشترك، مع ما رافق ذلك من تدنٍ كبير في الإنتاجية، وهدر كبير في استخدام الموارد، وتفاوت في توزيع الدخل، وتفشي الفساد الإداري والمالي، إلى ما يسمى اقتصاد السوق الاجتماعي الذي وسّع نطاق مفاعيل السوق على حساب التخطيط المركزي، ونطاق القطاع الخاص على حساب القطاع العام، مع فقدان ما تبقى من دور للدولة كضامن اجتماعي لشرائح واسعة من طبقات المجتمع الفقيرة والمتوسطة، ذلك لمصلحة قلة قليلة تستحوذ على جل الدخل القومي».

إن غياب الهوية الاقتصادية ترتب عليه استمرار الخلل في هيكلية الاقتصاد الوطني، إذ لا يزال اقتصاداً ريعياً يعتمد على الموارد الطبيعية من نفط وغاز وفوسفات وقطن كما يصفه د.صالحة، مشدداً على أن نجاح إعادة الإعمار التي تفوق كلفته التقديرية حتى الآن مئات مليارات الدولارات، من حيث التمويل والمشاريع والأعباء، تتوقف على ثلاث ركائز: هوية اقتصادية واضحة مبنية على تميز الموارد البشرية السورية والموقع والمجال الاستراتيجي؛ هوية سياسية تؤمن الاستقرار والتنمية السياسية؛ وهوية اجتماعية تشاركية بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والأهلي، وإلا ستكون وسائل التمويل ونوعية المشروعات أعباء باهظة، ترهق كاهل الشعب السوري لعقود قادمة، ويصبح الاقتصاد الوطني بلا هوية؛ لأنه سيكون مُداراً من قبل الممولين والمانحين والشركات متعددة الجنسية.

نظام الفوترة في مجالات الاقتصاد

يضيف د. خدام : لنفترض أن الدستور الجديد فتح أفقاً لنظام سياسي ديموقراطي أو شبه ديموقراطي يتم احترام القانون فيه، عندئذ ينبغي وضع مبدأ حاكم للاقتصاد، كنت قد طرحته خلال مناقشات مشروع سورية 2025، وهو أن تعطي للقطاع الخاص ما ينجح به، ثم راقبه وتعطي للقطاع الحكومي ما ينجح به وحاسبه… ومن حيث المبدأ ينبغي حصر المجالات التي تخصص للقطاع الحكومي بالمجالات الاستراتيجية والبنية التحتية والصناعات الأمنية، على أن يشتغل القطاع الحكومي وفق طريقة الميزان الاقتصادي التي تمنح لوحداته الاستقلالية المالية والإدارية الكاملة، بمعنى الفصل بين الملكية والإدارة، ثم لا بد من تعميم نظام الفوترة في كل مجالات الاقتصاد وخصوصاً في الأسواق.

ويشدد د. خدام أنه لا يوجد اقتصاد غير الاقتصاد الرأسمالي، لكن ثمة فرق كبير بين اقتصاد رأسمالي يركز على الإنتاج، واقتصاد يركز على الاستهلاك، وفي الدستور ينبغي تحديد طبيعة الاقتصاد السوري بأنه اقتصاد مشترك لكنه يعمل وفق قوانين السوق.

اقتصاد السوق الاجتماعي

من جهته، يرى بركات شاهين (معاون وزير الصناعة سابقاً) في حوار مع «الأيام» ضرورة أن يشار في الدستور بشكل واضح وصريح، إلى أن اقتصاد سورية هو اقتصاد السوق الاجتماعي، لأن هذا الشكل يرفض البديل الرأسمالي المطلق، كما يرفض الشكل الاشتراكي الذي تبنته الصين وكوريا وغيرها، فهذه الأشكال يجب أن تنتهي.

ويدعو شاهين إلى عدم إسقاط ما استوردناه من الخارج على الاقتصاد السوري، كما يفترض أن تضع الدولة نصاً صريحاً بأنها غير مالكة لوسائل الإنتاج، وهي راعية أو مشرفة وليست طرفاً، بمعنى أن تكون الضوابط الحكومية تقتصر على تحقيق منافسة عادلة، وتساهم في تقليص التضخم وخفض معدلات البطالة بشكل كبير، ووضع معايير لظروف العمل، وأن يقتصر وجودها على تحفيز النشاط الاقتصادي، ووضع سياسات تحضّ على المنافسة في إطار تعاوني، وهو ما ينطبق على كل القطاعات سواء كانت زراعية أو خدمية أو صناعية.

ويقترح شاهين أن الدولة يجب أن تتبع سياسات اجتماعية تخص العاملين، وحمايتهم من كافة أشكال الاستغلال ورفع السوية المعاشية للمواطن، كما يجب عليها أن تشجع على تأسيس شركات مساهمة وتدعمها كبديل عن القطاع العام، إذ أن كبرى شركات السيارات في ألمانيا واليابان هي شركات مساهمة تساهم في الإنتاج وإعادة البناء، وهي تحتاج إلى مدخرات فردية ومصارف.

ويشير شاهين إلى أن الدولة يجب أن تشجع الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تخدم المشاريع الكبيرة، وإلغاء كافة أشكال الدعم الحكومي، كون الدولة خرجت من الاستثمار وبالتالي لن يكون لها عائد ضمن هذه الصيغة، على أن يستمر دورها في دعم الطبقات الفقيرة والمحرومة من خلال توفير فرص عمل ضمن إطار نظام السوق الاجتماعي، وهو ما تبنته عدة دول مثل اليابان وألمانيا والنمسا والنرويج، حيث تفرض رسوم تصاعدية على كتلة رأس المال، وإعطاء رواتب لمن لا يستطيع العمل  أو من خسر عمله، أما السوق الاجتماعي في سورية فلا علاقة له بالاجتماعي بل اقتصاد فوضى فاشل، فلا نحن دولة رأسمالية ولا اشتراكية، أما التأمينات الاجتماعية فهي موجودة في كل دول العالم وليست حكراً على بلدنا.

الاقتصاد السوري رأسمالي بالجوهر

منال الشياح (أستاذة في كلية الاقتصاد – جامعة دمشق) ترى أن اقتصادنا هو اجتماعي بالظاهر ولكنه رأسمالي في الجوهر، فأساتذة الجامعات معاشهم قليل في الجامعات الحكومية في حين يتضاعف مرتبهم في الجامعات الخاصة، ولذلك يتسربون إلى هذه الجامعات، وكل القرارات تصدر لصالح القطاع الخاص، فأصبح لدينا فقر شديد، فأين هو الدعم الاجتماعي للمواد الغذائية والتموينية، وما نراه هو أن يكون شكل الاقتصاد في الدستور المرتقب خليطا بين الرأسمالي والاجتماعي، فلا يكون رأسماليا ولا اجتماعيا محضا.

بدورهم، يوضح اقتصاديون بأن بعض الدول النامية لم تملك شكلاً معيناً للاقتصاد مثل سنغافورة وماليزيا، في حين أن من وضع مصطلح السوق الاجتماعي لسورية لا يبدو أنه يعلم معناه وهو كان مثل موضة، إذ لا يهم الشكل وإنما ما سينفذ على أرض الواقع.

ويشرح شاهين وجهة نظره، أنه في المجتمع الرأسمالي لا يوجد قيود، ويوجد تخفيضات ضريبية على حجم الاستثمار، فكلما استثمرت أكثر قلّت نسبة الضريبة المفروضة عليك، في حين أن اقتصاد السوق الاجتماعي على النقيض من ذلك، كلما زادت الأموال ارتفعت الضرائب لكي تحمي الدولة الشرائح الفقيرة، ففي الدول التي تطبق نظام السوق الاجتماعي تكون الفائدة المصرفية هي تحت 1% مع دفع مؤجل، وسواء عملت أم لم تعمل لديك الحد الأدنى من الراتب وتأمين صحي مطلق، وضمان عائلي لأولادك في المدارس وتسهيلات في التنقل.

وتجدر الإشارة بأن تحديد هوية اقتصادية صريحة في الدستور المرتقب ضرورة ملحة تتطلبها ملامح المرحلة المقبلة، كونها منارة تمشي في ضوئها كافة مؤسسات الدولة في مرحلة إعادة الإعمار، بما يسهم في إنجاز النمو والازدهار الاقتصادي والتنمية المستدامة في كافة القطاعات وخاصة الإنتاجية.

محمد الواوي

Loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.