الرئيسية » اقتصاديات » كيف يجب أن يتعامل الدستور المرتقب مع الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين سورية والكيانات الأخرى؟

كيف يجب أن يتعامل الدستور المرتقب مع الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين سورية والكيانات الأخرى؟

بينما يتم تداول قضية تشكيل اللجنة الدستورية كإحدى خطوات الوصول إلى الحل السياسي في سورية، تتملك السوريين هواجس كثيرة من أن يتحول تشكيل هذه اللجنة إلى أحد محطات المماطلة لإلهاء السوريين، وتشتيت مطالبهم عن الانتقال إلى دولة المواطنة والحقوق والديمقراطية، ووسيلة لإعادة إنتاج الاقتصاد من خلال تفعيل ما تم توقيعه من مذكرات تفاهم ومعاهدات بشكلِ صحيح وبما يخدم الوطن والمواطن.. من بين فقرات الدستور الحالي، هناك بنود تخص الاتفاقيات والمعاهدات الخارجية والتي تعد الأخطر… بحكم أن التجارة الخارجية رافعة أساسية للنمو الاقتصادي وتعكس نقاط القوة والضعف في الاقتصاد الوطني، وتحدّد مستوى قدرته التنافسية، من خلال تعزّيز الانفتاح الاقتصادي، وقدرة البلد على تعظيم الفرص الاقتصادية، بالمقابل فإن الخطورة تندرج من خلال توقيع الاتفاقيات غير المدروسة والتي تؤدي لإضعاف قدرة المنتجين المحليين على مواجهة تدفق السلع من كلّ مكان، خصوصاً إذا لم يترافق مع سياسات جدية لتمكين المنتجات المحلية.

شبكة من العلاقات …

ترتبط الدول مع بعضها بشبكة من العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وترتبط العلاقات الاقتصادية وتتشابك بالعلاقات السياسية، حيث لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة ولذلك تتوسع أو تتقلص العلاقات الاقتصادية بناء على تحول وتغير السياسات الخارجية للدول، بحسب ما يقول الدكتور في الاقتصاد بجامعة حلب، حسن حزوري، والذي أكد لـ « الأيام» أن الاتفاقيات الاقتصادية الدولية التي ظهرت ولاسيما اتفاقيات التجارة الحرة، كصورة من صور التكامل في الاقتصاد العالمي وإحدى وسائل التعاون بين الدول، مبيناً أن أهمية اتفاقيات التجارة الحرة ترجع إلى أنها تستجيب للمتغيرات الإقليمية والعالمية الجديدة التي تهدف إلى زيادة درجة المنافسة بين الأسواق وتكريس مبادئ الاقتصاديات المفتوحة.

وأضاف الحزوري، انطلاقاً من ذلك أبرمت سورية عشرات الاتفاقيات الاقتصادية التي تنظم العلاقات الاقتصادية، بين سورية من جهة وبقية دول العالم من جهة أخرى، ولاسيما دول الجوار العربية لبنان والأردن والعراق من خلال اتفاقيات ثنائية أو جماعية كمنطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي تضم معظم الدول العربية وغير العربية سواء كانت دولة جوار كتركيا من خلال اتفاقية منطقة تجارة حرة، أو مع دول صديقة كانت أم غير صديقة تفرض المصالح المشتركة للبلدين توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادي، ومن أهم الاتفاقيات مع الدول الصديقة كانت مع روسيا وإيران.

السياسة تغلب الاقتصاد …

يرى د. حزوري أن لاتفاقيات التجارة الحرة العديد من الفوائد التي تهدف الدول، من خلال التوقيع عليها، إلى إزالة الحواجز والموانع أمام التبادل التجاري بين أعضاء الاتفاقية، على اعتبار أن تحرير التجارة سيحفز حالة من الرخاء الاقتصادي على الصعيدين الوطني والفردي للدول الأعضاء.

ومن خلال دراسة بعض اتفاقيات التجارة الحرة اتضح أن حجم التجارة بين الدول التي وقعت على اتفاقيات تجارة حرة بينها تضاعف بمعدل كبير، كما تضاعف حجم الإنتاج، وأدى تخفيض أو إزالة التعرفة الجمركية التي كانت مفروضة من قبل الدول إلى تدفق السلع والخدمات وفتح الأسواق أمام الصادرات، مما ساهم في زيادة معدلات النمو الاقتصادي وتحسين موازين المدفوعات، ذلك أنّ التدفق التجاري سيؤدي إلى التركيز على جودة السعر والخدمة، ولا بد أن يعود ذلك بالفائدة على المستهلكين، وذلك بوجود مجال أوسع للاختيار وأسعار أقل من خلال المنافسة المتزايدة.

يضيف: إن تقييم هذه الاتفاقيات ومعرفة مزاياها الإيجابية أو السلبية على الاقتصاد الوطني، ومعرفة إن كانت متكافئة أم لا، تتعلق بمدى مهارة المفاوضين وحنكتهم وامتلاكهم لمهارات التفاوض وفهمهم لنصوص القانون الدولي، وأيضا بالتوجه السياسي العام ومدى هيمنة القرار السياسي على القرار الاقتصادي، وخير مثال على ذلك اتفاقية التجارة الحرة التي وقعت مع تركيا والتي غلبت فيها الإرادة السياسية على المصالح الاقتصادية آنذاك، ولذلك أضرت بالعديد من الصناعات السورية نتيجة عدم قدرتها على منافسة المنتج التركي من حيث الجودة أو السعر.

عامل الفساد …

بحسب د. حزوري، علينا ألا ننسى عامل الفساد، الذي لعب دورا كبيرا في الإضرار بالاقتصاد الوطني، مثلا عندما وضعت اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية موضع التنفيذ، وأصبحت المنتجات العربية التي تزيد نسبة القيمة المضافة فيها على 40% تدخل إلى سورية من دون رسوم جمركية أو برسوم مخفضة، لجأ بعض الفاسدين للتحايل على الاتفاقية من خلال إدخال منتجات صينية على أنها منتجات من دول عربية عبر التزوير في المناطق الحرة ولاسيما في الإمارات والأردن، مما أضر بالاقتصاد السوري وبموارد الخزينة.

التوجه شرقاً…

أهمية سوريا بالنسبة للكثير من البلدان سياسية أكثر ما هي اقتصادية، ولكن رغم إدراكهم أن سورية عبء اقتصادي أكثر مما هي مكسب في الوقت الراهن، لأنها تحتاج مئات مليارات الدولارات لإعادة بنائها، إلا أن الكثير من الدول مهتمة بهذا الجزء لأكثر من سبب؛ منها أنها تريد فتح سوق ولو صغيرة لتكون بمثابة مكسب لها، فالموقع الذي تتمتع به سورية، جعلت الجميع يطمع بها.

وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية سامر خليل صرّح في وقت سابق أن الوزارة تقوم حاليا بتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية مع دول الخارج، لافتاً إلى أن الحكومة تركز على التوجه شرقاً، وإعادة بناء علاقات سليمة ومتينة مع الدول الصديقة التي وقفت إلى جانب سورية في حربها ضد الإرهاب، وذلك ضمن مبادئ الاستراتيجية العامة للعمل الاقتصادي التي تتبعها الحكومة السورية، إضافة إلى أن الوزارة تجري مباحثات مع عدد من الدول الصديقة الأخرى لتوقيع اتفاقات جديدة ضمن منظومة متطورة.

الدستور سيحدد…

في سياق متصل لم ينكر المحلل الاقتصادي سنان علي ديب في تصريحه لـ «الأيام» أن الدستور هو أحد المداخل الرئيسية في عملية التغيير المطلوبة، لذلك نحن ننتظر الأرضية التي سيتم «فرضًا» على أساسها المطالبة بإنهاء أو تعديل الاتفاقيات، فنحن بحاجة إلى اتباع سياسات معينة لتمكين المنتجات والصناعات المحلية، ورفع حصيلة الرسوم الجمركية كمورد أساسي للدولة، وهي في حاجة ماسة إلى زيادة مواردها للاضطلاع بمهماتها الأساسية كدولة، وبما أنّ الاتفاقية مع تركيا تمّ تعليقها، واتفاقية الشراكة مع الأوروبيين تمّ توقيف العمل فيها، تبقى اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، لضبط إساءة استخدام هذه الاتفاقية من قبل التجار في الدول الأخرى، واستكمال التفاوض مع دول الاتحاد الجمركي وأقصد بالدرجة الأولى بلدان «بريكس» وخاصة الصين والهند وروسيا، يجب أن يكون البناء الاقتصادي، متعلق بالحلول السياسية ، لأن البناء الاقتصادي لا يمكن أن يكون محايداً.

 خريطة استثمارية جدية…

«المطلوب اليوم هو خريطة استثمارية مدروسة جديا ترفع العائد في الاتفاقيات الاستثمارية من خلال فقرة خاصة بالدستور» هذا ما يؤكد عليه الدكتور في الاقتصاد- جامعة طرطوس، محمد رعدون، والذي أكد لـ «الأيام» أنه يمكن أن تفتح البلد للاستثمارات على أساس هذه الخريطة، مع شروط معينة تحافظ على السيادة السورية والاستقلال الوطني، مضيفاً «كفانا قرارات فردية وارتجالية لأن الاقتصاد السوري لم يعد يحتمل المزيد من الترقيع، فالاتفاقيات والمعاهدات يجب أن تدرس قبل البت بها».

اتفاقيات تعارض المصلحة السورية …

ويشير رعدون، إلى توقيع الحكومة السورية العديد من الاتفاقيات مع دول عربية وأجنبية تتضمن شروط وأحكام مجحفة بحق الدولة السورية، حيث تعطي هذه الاتفاقية حصانة كاملة لهذه الدول من القوانين السورية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العبء الكبير التي سيقع سيكون بالدرجة الأولى على سورية، وبالتالي سيكون لمنظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية دور مهم بتقديم الدعم لنا، من خلال إغناء حججها بالأبحاث والحجج الحقوقية التي تثبت أن الاتفاقيات التي عقدتها الحكومة الحالية تُعارض المصلحة السورية، ومن أهمّها :

1 – اتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرىGAFTA ، التي بدأت بالنفاذ التدريجي اعتباراً من 1998 وتمّ الانتهاء من تخفيض الرسوم الجمركية التي بلغت صفراً على السلع ذات المنشأ العربي بنسبة لا تقلّ عن 40%، بحلول عام 2005، وعلى الرغم من أنّ الهدف الرئيسي من اتفاقية التجارة العربية كان تنشيط التجارة البينية العربية، ولكن ما حصل فعلاً، هو سوء استخدام لهذه الاتفاقية، حيث يقوم الكثير من التجار بالاستيراد إلى دولة الإمارات مثلاً بسبب الرسوم الجمركية المنخفضة فيها، ثم يتمّ تغيير شهادة المنشأ وإعطاء البضائع شهادة منشأ عربية، لتدخل بعد ذلك إلى سورية برسوم جمركية تساوي الصفر.

2 – اتفاقية التجارة الحرة مع تركيا، وقّعت في عام 2004 ودخلت حيز النفاذ عام 2007، وبعد تطبيقها، بدأت الورش الصغيرة والشركات الصغيرة في سورية بإغلاق أبوابها، لعدم قدرتها على الصمود أمام المن تجات التركية التي تتمتع بالقوة والقدرة على المنافسة، خصوصاً أنّ الاتفاقية كانت مجحفة فعلاً، إذ أنّ تركيا تفرض رسوماً على البضائع السورية إليها، تحت مُسمّى «رسوم العائلات الفقيرة»، بينما لا يستطيع السوريون فرض أي رسم على المستوردات التركية، وعندما اندلعت الأزمة السورية، تعالت أصوات كثيرة مندّدة بالانفتاح التجاري وخصوصاً مع تركيا، وما سبّبته من مشاكل واختناقات اقتصادية، رغم ما قيل عن ازدياد الصادرات إلى تركيا، فإنّ معظم تلك الصادرات كانت عبارة عن مواد أولية ونصف مصنعة من دون قيم مضافة كبيرة، استفادت منها قلة من التجار فقط، ولم تنعكس على شرائح واسعة من الناس، بل بالعكس فإنّ كثيرين خسروا وظائفهم .

3 – اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، التي من المفروض أن تعكس استراتيجية الاتحاد الأوروبي المعلنة لتحقيق الشراكة مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما جاء في إعلان برشلونة عام 1997، لتطوير المنطقة وتجنّب الإرهاب والهجرة غير الشرعية ولتسويق المنتجات، ولكن الحقيقة أنها في جوهرها اتفاقية تجارة حرة شملت السلع والخدمات و لم تجر دراسة حقيقية حول تأثير هذه الاتفاقية على الاقتصاد السوري.

4 – قُبلت سورية في منظمة التجارة الدولية الـ WTO، كعضو مراقب في 4 أيار 2010، وتوقفت عملية متابعة إجراءات الانضمام، بسبب الحرب الطاحنة في سورية، والسبب الرئيسي الذي جعل سورية تقدم طلباً للانضمام إلى هذه المنظمة الدولية، هو أنّ عدد الأعضاء وصل إلى 156 دولة كاملة العضوية و25 دولة بصفة مراقب، ولا يمكن أن تكون سورية دولة معزولة عن الدول الأخرى، ورغم اشتراطات المنظمة بتفكيك الرسوم الجمركية حسب جدول زمني بموجب هذه الاتفاقية، ولكن الدول عادة تلجأ إلى سياسات تبني حواجز مختلفة لإعاقة الاستيراد وتشجيع منتجاتها الوطنية، لا تعتمد على الرسوم الجمركية وإنما على المعايير والمواصفات الفنية ومستويات الجودة.

الخلاصة …

في النهاية، من المأمول أن نصل قريباً إلى دستور جديد أو معدل يأخذ بعين الاعتبار كل ما سبق، ويكون واضحاً ضمن بنوده أن مصلحة الاقتصاد السوري والمواطن السوري تعلو على كل ما عداها، حين التوقيع على أي اتفاقية اقتصادية أو غير اقتصادية مع أي بلد سواء كان بلداً عربياً شقيقاً أو صديقاً.

نور ملحم

Loading...

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.